اشكال… ألوان

كنّا ستّ عشرة امرأة من العالم العربي، اجتمعنا لخمسة أيام بجورجياضمن برنامج زمالةهي 2″. في اليوم الأول، وبعد اليوغا والتأمل، كانت هنالك ورشة عمل للتلويين تديرها المدربةمريم العباسمن السعودية.

ما هي ورشة العمل؟

في البداية بدأت أفكر،ماذا ستطلب منا أن نرسموهل سيقومون بتحليل ما رسمناه ومن هي مريم؟ العديد من الأسئلة جالت في خاطري، وقطعتها المدربة مريم بالتحدث عن النشاط.

كان التلوين بواسطة اليد وبدون استعمال أيّة آداة. وكان عملًا حرًا، ترسم ما شئت بأي لون موجود أمامك. أحسست بالطفولة وبأنني استمتع بوقتي، رسمت قلبًا ولوّنته. كما قمت بتلوين يدي بشكل كامل وطبعتها. لا أدري لمَ فعلت ذلك، هل لأنني كنت أرسم يدي في الصّغر وأستمتع بذلك؟ بعد الانتهاء،  تكلّمت من أرادت عن رسمتها،  فأحببت أن أشارك رأيي وبدأت بالبكاء. كان العمل عاطفيًا يساعد على إخراج مكنونات الداخل ، وما انطوت عليه الايام.

أشكال ألوان ولكن، كم نتشابه!

أربعة بنات فقط نحن اللاتي رسمنا اليد ، أحسست أن هنالك شيء يجمع شخصياتنا ، كما كان هنالك فتاتان ممن استعملتا نفس الألوان ، ليخلقا لوحتين متشابهتين جدًا. البعض بعد مشاركة تجربتهنّ ، والتصوير في الخارج،  مزّقن رسماتهن والبعض الآخر احتفظن بها ، وحملنها معهن الى وطنهن.

ماذا خلقت هذه التجربة؟

كانت تجربة رائعة،  اختلفت عن تجارب التلوين الأخرى التي مررت بها من كتب التلوين للكبار،  والتي تعتبر من آخر صيحات الموضة وتتصدر مبيعات امازون في اميركا. الى التلوين على اللوحات بالاكريليك. لقد أضفت يا مريم شيئًا جديدًا على حياتي بهذا النشاط.

التلوين ليس للجبناء. وهو ليس هروبًا من الواقع ، وليس مهدّئًا. التلوين هو تعبير عن النفس،  وإفساح المجال لهذه الروح بأن تحلق في فضاء الألوان،  فتختار ما يناسبها لينساب ب صورة أو تموجات أو أي شيء تريده.

التلوين والتأمل

يمكن أن يساعد هذا النشاط في محو الكآبة والقلق، كما أن التلوين قد يتجه إلى أن يصبح روحيًا. أنا لا ادعو لأن يكون التلوين بديلًا للتأمل، ولكنه من تجربة شخصية، هو عنصر مساعد. دعونا نعطي أنفسنا هذه الفرصة بالانغماس في الألوان. دعونا نبتكر طرق رائعة تعبّر عن إبداعنا، وفي الوقت عينه هي أيضًا طريقة رائعة للاسترخاء وتخفيف التوتر.

ماذا خلقت هذه التجربة؟

التلوين والتامل

 

حكايتي مع التأمل

بداية قصتي مع التأمل

التأمل كلمة تحمل الكثير من المعاني لأن لكل واحد تجربته. وهذه التجربة تجعله يتبنى تعريفًا معينًا أوأن يخلق تعريفًا جديدًا.تجربتي الأولى مع التأمل كانت في ربيع 2015 عندما كنت في نيبال لدراسة اليوغا. كان المدرب يبتدئ حصص الرياضة بالتأمل. وحينها قمنا بتجربة تقنيات التخيل والابتهال والنيدرا (يوغا النوم) وفحص الجسد. دائمًا ما كان يوصينا بإغلاق أعيننا أو فتحها مع التركيز على نقطةٍ معينة. استمرت محدودية التجربة لعشر دقائق في حصص اليوغا إلى أن  تعرفت بعدها على “مبادرة السلام العالمي”.

قمت بإنشاء حساب على موقعنهضة السلاموبدأت برنامج الـ 42 يوم لتطوير الذات. ابتدأت بعشرة دقائق واستمر وقت التأمل في الازدياد حتى شاركت في زمالة المؤسسة الإقليمية للنساء العربيات ” هي 2″. هناك استمتعت ب أربعة ساعات من التأمل يوميًا مع إمكانية طرح الأسئلة على الراهب باسورا واثنتان من المدربات المحترفات هن نسرين وأسيل. بعد عودتي من الزمالة، قمت بإكمال برنامج الـ 42 يومًا فأنهيته، لتصبح العشرين دقيقة التي كنت أتأملها قبل المشاركة ب هي2 تصل إلى ما يزيد عن الساعة يوميًا.

ماذا تعلمت من برنامج تطوير الذات؟

خلال الـ 42 يومًا، تم شرح وتعليم عدد من التقنيات التأملية مع كيفية الجلوس ، واختيار المكان. تعلمت من خلاله الاستعداد للتأمل واختيار المكان المناسب، وكيفية الجلوس بوضعية مريحة تضمن أطول مدة من التأمل ، وكيفية وضع يد اليمين فوق اليسار لضمان تدوير الأكتاف واستقامة الظهر. في البداية لم يكن الأمر سهلًا ، ولكني لم أتوقف واستمريت بالمحاولة. خلال التدريب، بعض الفيديوهات كانت تعاد لتركيز الفكرة والتمرن عليها أكثر، وقد كان هذا أمرًا مساعدًا.

مراحل التأمل

بعد الاستعداد للتأمل وإغلاق العينين، كان الراهب في الفيديو يختار احدى التقنيات. ففي أول أسبوع، كان الاختيار واقعًا على أسلوب التخيل، حيث يخلق العقل مكانًا هادئًا داخله ليبحر به. كنت أحب تخيل البحر بسبب حبي الكبير له، فكان ذلك يساعدني على الهدوء التام. ثم اعتمد الراهب مبدأ الابتهال في التأمل، حيث يختار المتأمل ابتهال (عبارة أو كلمة) يرتاح لها ويكررها حتى الهدوء. كنت أردد سبحان الله حتى أدخل في حالة التأمل العميق. في بعض الأحيان يشرد العقل فلم أنفعل لذلك،  بل كنت أشاهد بدون أن أحكم على ذلك. كما كنت أعتمد التركيز على التنفس، فقد كان مساعدًا جدًا. كنت أعود إلى ترديد الكلمات بهدوء مرارًا وتكرارًا حتى يصبح التسبيح مناجيًا لعقلي.

كما علّمنا الراهب في الفيديو فحص الجسد ، فكان يركز على إزالة التوتر من كل جزء من أجزاء الجسد بالترتيب. وكنت أقوم بمحاولة إرخاء العينين والفم والأكتاف والحجاب الحاجز واليدين وأصابع القدمين وغيرهم. وبمجرد الانتهاء من إرخاء أجزاء الجسد، ينتقل الراهب إلى تقنية أخرى. التركيز على النفس، والتوحد مع الأفق، وتخيل الشمس هم أيضًا من التقنيات التي تمت تجربتها. فتقنيّة  تخيل الشمس جعلتني أشعر أنّي مركزٌ للطاقة ، وكانت تشحنني بطريقةٍ غريبة. ودائما ما كنت أشعر بوجع في فك الفم السفلي خلال التأمل وأظن أن ذلك شيءٌ جيد.

تأمل المشي

من طرق التأمل التي تركت في نفسي أثرًا وجعلتني أركّز أكثر في تنقلاتي اليومية هي المشي التأملي والذي قمت بتجربته للمرة الأولى في برنامج هي 2. وقتها، قمت بالمشي في الطبيعة وتعلمت تأمل الشجر وما يحيطني.أصبحت الآن أنظر للتفاصيل حولي خلال المشي أو السواقة.

تأثير التامل على حياتي 

ساعدني التأمل على التركيز أكثر والتخفيف من انفعالاتي،  كما أنه ساعدني على اتّباع نمط حياة صحي. احرص/ي على التأمل في نفس الميعاد يوميًا لتتمكن من اكتساب هذه العادة الحسنة. ولنشر هذه الثقافة قمت مع صديقتي رشا رستم،  التي تعرفت عليها ببرنامج هي 2 بإنشاء “نادي السلام” وهو نادٍ نقوم فيه بجلسات تأملية في بيروت وطرابلس.

انتهى برنامج ال 42 يوم وأنا أشعر بأني أفتقد شيئًا. لا أريد أن أصف حالتي بالإدمان، ولكن فوائد التأمل وسهولة طريقة الراهب في الفيديوهات جعلته محببًا ومريحًا. والآن أتطلع شوقًا للمرحلة الثانية.

دائرة النساء

عتبر دائرة النساء او ما يعرف ب Women Circle.  ورشة عمل فقط للنساء حيث تأخذ كل واحدة منهم مكانها في الدائرة وتتتبع الإرشادات العامة التي تسهل المحادثة الحقيقيةويبدأ الحديث فيتعلم المشاركون طرقًا جديدة للتحدث والاستماع إلى الآخرين.

لم تقتصر مشاركتي الرائعة ب برنامج زمالة “هيا 2″ مع مؤسسة “مبادرة السلام العالمي” على ساعات التأمل بل كان هناك ورش العمل اثرت مخزوننا الحسي والثقافيمن احدى الأشياء التي اثرت بي هي دائرة النساء التي استمرت لمدة ساعة ونصف يكون شكل الدائرة غير هرمي – حيث يكون لكل شخص أهمية متساويةوقد انطوت على وضع النية، والتعلم، والمشاركة.

لمعرفة المزيد عن تجربتي في زمالة هي الثانية للنساء العربيات، اضعطوا الرابط 

تجمعنا كحلقة في قلب الطبيعة مشاركات منظمات ومتطوعات حيث قامت مدربة مهارات الحياة “جيهان ” بإدارة الحوار ومساعدتنا في إيجاد الحلولقامت الزميلات بطرح المشكلات الاجتماعية التي تواجهن كنساء في العالم العربي والتي تتراوح من نظرة المجتمع وضغوطاته وإصرار الاهل على التمسك بالعادات البالية وارضاء المجتمع وغيرها من الأشياءورغم الأشياء التي تجمعنا كان لكل منا وجهة نظر فريدة وكأنك في مشهد للقطع الثمينة حيث كل قطعة تثري الكل. وقد طغى جو الاحترام وتقبل الاخر على الدائرة.

وما لفتني ان ما ذكرته بعض الزميلات ينطبق على شخصيا واستنتجنا ان هذه المشاكل لا تعرف حدودا جغرافياوالمميز بهذه الدائرة انها تعدت حدود النقاش والاخبار لنصل  الى حلول وخطوات يمكن تطبيقها على أرض الواقعكانت الدائرة حاوية للحقيقة وشاهدة على الشفاء والتحول.

الكثير مما حدث كان غير مرئي وكأن مطالب العالم الخارجي توقفتكانت هذه الدائرة فرصتنا لان نجلس معا ونتعرف على شخصيات زميلاتنا أكثركما استطعنا مشاهدة احتياجاتنا الشخصية وملء أكوابنا بأدوية المجتمع النسائي الحاضر كل واحدة منا في مكان مختلف من رحلة حياتها، ولكننا اخترنا السفر الى مكان محدد ومشاركة قصصناالرفقة التي قدمناها لبعضنا البعض لا تقدر بثمناستطعنا أن نتعلم الكثير من بعضنا لأن كل منا جلب تجاربه وطاقاته الفريدة إلى المجموعة.

من خلال إفساح المجال لآمالنا، للمخاوف والضحك والأحلام والدموع يمكننا أن نزيل القلق والحكم والضغط الذي نحمله مما يخلق لدينا  مساحة للتنفس والنمو والعطف العميق تجاه أنفسنا ومن ثم العائلة والعالم من حولنا.

صحبح ان الدائرة حلت وان البرنامج انتهى لكننا لا نزال قادرين على الاستفادة من القوة الخلاقة التي تولدت واستخدامها لتغذية هدفنا المحدد على هذا الكوكبوالمزايا التي حصدتاها كأفراد أصبحت بركة علينا وعلى احبائنا لأنه عندما تتمتع بالسلام الداخلي سيعم السلام محيطك ثم مجتمعك.

رحلتي الى الداخل

              يحدث ان يحصل لك أشياء في الحياة تكون مفصلية. وربما تصادف بعض البشر الذين يتركون اثرا في حياتك. لكن محاولة معرفة حقيقتك وسر سعادتك يكمن في معرفة الذات. يقول الحديث الشريفمن عرف نفسه فقد عرف ربه“. ومن هنا كانت مشاركتي في زمالة هي الثانية” الإقليمية للنساء العربيات التابعة لمبادرة السلام العالمي ضمن  مشروع نهضة سلام سلام الداخلي، سلام عالمي“.

إن ترك الأشياء التي نحيطها يومياً هو أول خطوة كبيرة نحو التطوير الذاتي. زمالة هي، خمسة أيام من برنامج محدد فيه ثماني كودات وهي:

1. يجب على المرء ان لا يقتل أو يؤذي الكائنات، حتى أصغر الحيوانات أو الحشرات.

2. لا يجوز للمرء أن يأخذ أشياء أو ممتلكات أي من صانعي السلام أو الطاقم دون إذن مسبق.

3. يجب على المرء الابتعاد عن جميع المشوشات الرومانسية (خاصة العلاقات).

4.يُنصَح المرء بمواصلة المحادثة إلى الحد الأدنى، ولكن عندما يتحدث، يجب عليه فقط استخدام الكلام الإيجابي والمشجع.

5. يجب على المرء الامتناع عن استخدام المسكرات أو مذهبات العقل والحفاظ على الجسم السليم ليكون جاهزا للتأمل.

6.خلال المعتكف، سيتم تقديم وجبتين فقط (الإفطار والغداء). وسيتم تقديم الحليب أو عصير الفاكهة خلال المساء.

7. خلال المعتكف يحظر استخدام اجهزة التواصل او الموسيقى الالكترونية أو الهاتف المحمول أو الإنترنت عبر الهاتف النقال أو أي جهاز ترفيه إلكتروني.

8. كما يرجى البقاء بعيدا عن ارتداء ماكياج ومستحضرات التجميل والعطور والكولونيا والمستحضرات أو مجوهرات الزينةخلال التدريب، سيكون نمط حياة أقل تطلبا وبساطة.

كنا نستيقظ في الخامسة فجرا لنصلي وثم تبدأ حصة التأمل على الخامسة والنصف لمدة ساعة وتتبع بساعة يوغا وثم الفطور. بعدها هناك حصة من ساعة ونصف يجريها اختصاصين تختلف من التلوين الى جلسات نسائية وتدريب حسي عصبي وغيره. ثم جلسة تأمل تتبع باخر وجبة هي الغداء من الحادية عشر ونصف الي الثانية عشر ونصف. ثم جلسة تعليمية وجلسة تأمل واستراحة عشاء تكون من السوائل وتتبع بحصة تأمل.  خلال النهار هناك أربع حصص تأمل تنقلك من عالم الأفكار الى عالم الذات. تلك النفس التي إذا ما سكنت أصبحت قادرة على مواجهة الخلاف والتوتر. لا شيء كامل في هذه الحياة،  والخلافات والمشاكل تتوالى على الانسان لكن ما يختلف هو كيفية التفكر والتفكيروالنظر بهذا الموضوع.

ساهمت المشاركة في هذه المعتكف على التكيف مع طريقة عيش أسلوب حياة بسيط، وعززت التخلي عن المرفقات والعواطف والانا. ساهم التدريب بإعطائي وقت أتيح لي فيه البقاء مع نفسي واكتشاف ماهية النفس الحقيقية. وساعد ذلك الانقطاع عن العالم الخارجي مما أكسبنا وقت كنا سنفقده إذا كان علينا التفكير في شخص آخر بدلاً من العمل على سلامنا الداخلي. كما كان الامتناع عن العشاء مساعدا على تنمية ملكة الصبر. كما ساعدنا على توجيه الطاقة إلى التطوير الذاتي والبقاء نقيًا قبل الذهاب إلى السرير.

تعلمت العديد من الأشياء منها اهمية التنظيم ومعرفة ان الطعام والنوم اساسيان لكن بمعدلات معقولة كما انه تعرفت على العديد من الفتيات وشاركنا مواضيع ومشاكل مشتركة رغم تعدد البلدان. تعلمت انه يجب تخصيص وقت محدد للهاتف مهما كان العمل مهما. تعلمت أهمية مراجعة الذات والتأمل بشكل يومي.

أن الوصول للسلام الداخلي هو عملية تتطلب العديد من الأمور والتي تحتاج لبعض الوقت ولكن ليست مستحيلة. بالنسبة الى الستة عشر امرأة عربية التي حضرت التدريب كانت هذهرحلة التَّغيير“. حيث اكتشفنا أنفسنا عن طريف التأمل ورياضة اليوغا والاحتكاك بالطَّبيعة وورّش العمل.

من الأشياء الرائعة كان وجود معلم  “الراهب باسورا”  متخصص بالتأمل ومكرس حياته لهذه التجربة من الصفاء الذهني ووجود مدربات من ضمن طاقم المبادرة لمنطقة الشرق الأوسط “نسرين” و “أسيل” ليتم تعزيز ثقافة السلام الداخلي باللغة العربية وضمان تسلسل البرنامج بما يحتويه من ورشات عمل وممارسات تعزز وتساعد لإكتمال النموالداخلي خلال فترة التدريب بالاضافة إلى وجود  مدربة حياةجيهان طوال مدة التدريب ساعدتنا على تخطِّي ما يمنعنا من التَّغيير.  ولا بد من شكر مدربة اليوغافرحالتي اعطتنا حصص يوغا متميزة ساهمت في تعزِّز تدفُّق الدورة الدموية في الجسم، وساعدت على توليد الطاقة الإيجابية لا سيما عندما مارسناها في الطبيعة، فحين نحرك اجسامنا لا نركز إلا في هدف واحد كما هو العقل والنفس والجسد وهذا يوجه عقولنا إلى ضرورة التحرك للإمام دون النظر إلى الماضي.


تلك الخمسة أيام التي كانت مساحة خالية من الانحرافات ولدت ظروفًا مناسبة لتحقيق التغيير الداخلي. نسأل المولى لي ولكم ان لا نكون من الذيننسوا الله فأنساهم أنفسهم“.